محمد الخطيب
01-19-2008, 03:03 PM
كاتبة إيطالية: شرف لي أن أتحدث عن الإسلام ولا أبغي من ذلك جزاء ولا شكورا
«شرف لي أن أتحدث عن الإسلام.. لا أبغي من ذلك جزاء ولا شكورا».. هكذا قالت لي الأستاذة الإيطالية الكبيرة ريتا دي ميليو، وهي تقدم لي كتابها «الإسلام.. ذلك المجهول في الغرب». كثيرون هم الكتاب والمؤلفون الأوروبيون الذين يتحدثون اليوم عن الإسلام، ولكن القليل منهم من يتحدث عن علم حقيقي، والكثير منهم هم من يجرون وراء الأفكار المسبقة السطحية، التي تدين الإسلام وتبحث في تاريخه وسلوك التابعين له عما يدينهم، ويصم الدين نفسه بأبشع التهم. من هذا القليل تبرز هذه المؤلفة الإيطالية التي عاشت وتجولت في مدن العالم الإسلامي، ولم تكتب عن الإسلام إلا بعد أن قرأته ودرسته وعاشته. مع كتابها «الإسلام.. ذلك المجهول في الغرب: الدين الإسلامي في ضوء القرآن والسنة»، الذي تجري ترجمته الآن إلى العربية، نقدم هذه القراءة السريعة لأهم محتوياته. الكتاب في مجمله جديد على الثقافة الأوروبية، فهو صادر من أوساطها ويتكلم بإحدى لغاتها، ورغم أنه بدا محايدا في عرض الإسلام كحضارة وثقافة، إلا أنه، ربما للمرة الأولى، يقدمه على أنه دين سماوي، يقف على قدم المساواة مع الأديان السماوية الأخرى، بعد أن كان ديدن الغرب ـ والمستشرقين على وجه خاص ـ اعتبار أن الإسلام في أفضل الظروف طائفة منشقة عن المسيحية وخارجة عليها. أما في هذا الكتاب فإن ريتا دي ميليو تعلن منذ بداية سطوره أنها سوف تكتب عن الدين الذي تحبه وتحترمه، وتعمل على تبليغ محتواه لمن لم يعرف، ليس لأنها تعمل في مجال الدعوة، بل لما ترى من تعرض الإسلام إلى ظلم كبير من جانب من لم يعرفه من الغرب، وقدم إليه بصورة مشوهة، أحيانا عمدا، وأحيانا عن جهل وضيق أفق. إننا بصدد كتاب يكتب عن محمد (صلى الله عليه وسلم) باعتباره نبي الله ورسوله، وعن الله الواحد الأحد في كل الأديان. وهي لا تنفي الاختلاف، ولكنها في نفس الوقت تعزز الاتفاق، وهو في رأيها اتفاق كبير وذو مغزى ولا يصح تجاهله. جاء الكتاب في فصول سريعة بدأت بعرض لحياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أبرزت فيها المؤلفة الخصال التي اشتهر بها قبل البعثة النبوية مثل الصدق والأمانة، كما عرضت لحال المجتمع العربي قبل نزول الإسلام، وكيف جاء هذا الدين لكي يصلح الكثير من الأمور التي كانت تضرب في أساس هذا المجتمع، وليحوله من مجتمع بدوي بدائي إلى واحد من أعظم الحضارات التي شهدها التاريخ. وربما كان أهم ما في هذا الجزء من عرض الحياة الأولى للرسول (صلى الله عليه وسلم) هو أنه ابتعد عن الطروحات التي سادت في كتب وأفكار عدد غير قليل من المستشرقين، بل ردت عليهم المؤلفة وأكدت أن محمدا هو نبي الله ورسوله وأن رسالته منزلة من السماء. ولمحت إلى أن أول من اعترف بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) كان مسيحيا، وهو ما استغله مفكرون آخرون ليقدحوا في النبوة ويشككوا فيها، عندما اعتبروا أن محمدا لم يكن إلا قسا متمردا وناقما. والمؤلفة تطرح أفكارها بقوة وترد عليها بقوة أيضا، من دون خوف أو تردد، بل لا تتردد في اتهام كتاب بني جلدتها بالغرور حينا وبالجهل دائما. وضعت ريتا دي ميليو مقدمة لكتابها تعبر فيها عما يجيش في وجدانها من حب وتأثر بالدين الإسلامي، إلى الحد الذي يجعلك تتصور أنها اعتنقت الإسلام بالفعل. في مقدمة الكتاب تشير الكاتبة إلى أن الإسلام لا يمكن أن يحيط به أي كتاب مهما تضخمت صفحاته، فهو يستحق الكثير من الكتب، لكي تلم بجوانبه المتعددة، وهو كالماسة لها ألف بريق، وليس من الإنصاف اختصاره في كتاب واحد. وفي هذا إشارة إلى القضايا الكثيرة التي يمكن الكلام فيها عن الإسلام والجوانب المتعددة له، وتبرير للقراءة الموجزة السريعة لهذا الدين، بهدف التعريف، أكثر من الدخول في مناقشات وجدل حول القضايا الخلافية. ورغم هذا، ورغم نص الكاتبة على أنها تأخذ بمنهج التبليغ الإسلامي، فقد تعرضت في فصول كتابها المختلفة إلى كثير من القضايا الخلافية، قالت فيها رأيها بصراحة وجرأة، خاصة قضية الجهاد، التي قدمت فيها تبريرات منطقية عقلانية للجهاد الإسلامي، بعيدا عن استغلال هذا الفرض الديني لأهداف سياسية وإرهابية. وفصلها في الجهاد، رغم أنه يتحدث عن الجهاد بوصفه «الحرب المقدسة»، وهو التعبير الذي لم يعرفه الإسلام، ولكنه منقول عن الغربيين في حروبهم الصليبية، ولكنها استخدمت المصطلح الغربي لكي تقرب إلى أذهان الغربيين هذا المفهوم، هذا الفصل عن الجهاد يعتبر من أجمل ما كتبه قلم غربي منصف ومحايد في هذه القضية. فهي ترى فيه فرضا على كل مسلم، ولكنها تقول إن الحرب في الإسلامية دفاعية، لأن القرآن ينهى صراحة عن الاعتداء على الغير، ويأمر المسلمين بالدفاع عن أنفسهم، وعن أموالهم، وبالتعاضد لنصر المستضعفين من المسلمين. تأخذ ريتا دي ميليو بالمنهج العزيز على الغرب، وهو النقدي التاريخي، الذي يحاول أن يتناول الأحداث في الجزيرة العربية، من خلال الترتيب الزمني لحدوثها، وتفسيرها ضمن السياق التاريخي لهذه العصور، من دون أن تعطي للبعد الغيبي ثقلا كبيرا في التفسير، ورغم هذا فهي تصل إلى نفس النتائج التي يمكن أن يصل إليها علماء الدين، اعتمادا على النصوص المقدسة وحدها، من دون تحليلها نقديا وضمن السياق الاجتماعي والإنساني والتاريخي لها. ولهذا فإنه ليس من المبالغة أن نعترف لها بفضل الاجتهاد في تفسير بعض أحداث التاريخ، التي تخص مسيرة الدين والحضارة الإسلاميين. هكذا تبدأ ريتا دي ميليو بعرض حياة العرب قبل الإسلام وترسم خريطة للمعتقدات الدينية، التي كانت سائدة في هذه المنطقة، والتي تجاورت فيها الوثنية إلى جانب عبادات غريبة للنباتات والأشجار والأشياء المختلفة، كما كان هناك انتشار محدود، وفي مواضع بعينها للمسيحية واليهودية، خاصة في اليمن وفي شمال الجزيرة العربية.
في شبه الجزيرة العربية، وبخلاف تقديس الأشجار والنباتات، كانت هناك عبادات للأحجار المقدسة، وهي أحجار متحركة أو متساقطة أو صخور بارزة أو معلقة، تحمل الملامح البشرية، ولم يكونوا يعبدونها لذاتها، وإنما باعتبارها حاملة للألوهية أو رمزا لها. فكانوا يقيمون إلى جوارها الاحتفالات الدينية التي تشتمل على القرابين وأعمال الحج والمهرجانات. أما البدو الرحل فكان لديهم على العكس محراب متنقل، يسمى القبة، وهو نوع من المراكب المقدسة، كانت ترافق القبائل في تنقلاتها السلمية أو الحربية.
تعرض المؤلفة مولد وحياة الرسول محمد بنفس الطريقة والمنهج التاريخي النقدي الذي يقبله الغرب، ولكنها تأخذ في الاعتبار في نفس الوقت أن المسلمين يعتبرون أن حياة محمد وأقواله وأفعاله جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، التي تقوم على القرآن والسنة.
من يريد أن يشوه هذه الشخصية العظيمة فهو يضعه عادة في مقارنة بالمسيح. ولكن الشخصية الزاهدة للمسيح ليس لها أي علاقة بإنسانية محمد. فنبي الإسلام الذي كان يخوض الحروب، ويشن الغارات ويمارس القصاص، يجب النظر إليه داخل البيئة التي وجد فيها، والذي كانت طريقة حياته فيها هي القاعدة. فقد كان «رجلا مثل جميع الرجال»، رجلا مصطفى ولكنه في جميع الأحوال رجل، وقد أكد القرآن على هذا المفهوم مرتين. المرة الأولى في سورة الكهف الآية 110: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ». والمرة الثانية في سورة الإسراء الآية 93: «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً».
والفارق بينه وبين الآخرين من البشر هو أن الله اصطفاه وكلفه بتبليغ رسالته. وجعل منه خاتم الأنبياء! وهناك من لا يزال يرى في القرآن مجموعة من القواعد الدينية من أصول مسيحية ويهودية، تعلمها محمد من خلال اتصالاته مع شخصيات كبيرة تنتمي إلى هذين الدينين، قابلهم في مكة وفي المدينة. ومنها لفق محمد قرآنه. أي أن هؤلاء يرمون محمد بالانتحال. وفي هذا المجال فإنني أطرح الأسئلة التالية. لماذا كان عليه أن يخترع كذبة ضخمة مهولة مثل تلك؟ لجنون العظمة، حبا بالسلطة؟ في مكة، حيث لم يحقق الكثير من النجاح وواجه العديد من الآلام، لم يكن ليلتزم بهذا الصراع الذي كان يبدو بلا مخرج، إلا إذا مقتنعا بصحة رسالته. كيف استطاع أن يفحم بآيات القرآن اللاذعة الكاذبين والمنافقين إذا كان هو نفسه كاذبا؟ وإذا كان هو الذي ابتدع هذا الإسلام من بنات أفكاره فلماذا لم يجعله بسيطا سهلا مقبولا من غالبية قومه؟ هؤلاء القوم الذين كانوا مشركين وثنيين وأتى لهم بدين توحيدي؟ بالإضافة إلى الديانة التوحيدية لماذا فرض عليهم صيام رمضان وهو أمر شاق جدا في شبه الجزيرة العربية حارقة الحرارة؟ وكيف أمكن أن يصبح من أصدقائه أشخاص من نبلاء الروح ومن الموهوبين بالذكاء الراقي إذا لم يكونوا يعتبرونه من الصادقين؟ وكيف استطاع وهو الأمي أن ينتج عملا على قدر كبير من القيمة أدبيا ولغويا؟ كم من الأسئلة التي يمكن طرحها وكم من الإجابات! ولكن هذا العرض هو عرض إسلامي وليس دراسة نقدية. وبالنسبة للمسلمين فإن محمدا هو نبي شديد النقاء والصدق، رسول الله، قدوة للمؤمنين، وخاتم للنبيين. على اتهامه بالقسوة يمكن الرد ببساطة: لقد عاقب محمد بقسوة أفرادا ارتكبوا جرائم، أو أعداء عنيدين مثل القلائل (ستة) من القرشيين عند فتح مكة، واليهود الذين خانوه.. واستعمل كل الوسائل التي أتاحها له المجتمع آنذاك للدفاع عن جماعته ودعمها. حارب بإمكانيات متواضعة وبمعاونة قليلة حتى لا يسقط أمام الأعداء والمنافقين الذين كانوا يريدون له الخراب. ولكي يواجه احتياجات جماعته لجأ إلى شن الغارات، التي كانت تعتبر مشروعة في شبه الجزيرة العربية منذ أزمنة أبعد وليست قابلة للحكم عليها بمقاييس أفكارنا الغربية. والحروب التي قام بها، سواء دفاعية أو هجومية، كانت لنشر دعوته. ولكن هذا العمل الوحشي في حياة الإنسانية حاول هو أن يجعله أقل وحشية. فقد أمر جنوده: «لا تقتلوا شيخاً فانياً لا تقتلوا امرأة لا تقتلوا صغيراً رضيعاً لا تهدموا بناءً لا تحرقوا شجراً لا تقطعوا نخلاً وأحسنوا».
محمد، النبي والإنسان، بضعف أي كائن بشري، وبالقوة التي أمده بها الإيمان العميق برسالة الرسول الذي بعثه الله، كان بلا شك، وهو ما أؤكده وأشدد عليه لأنني مؤمنة به، من أعظم الشخصيات في التاريخ الإنساني. فهو لم يكن وحسب صاحب دعوة لديانة توحيدية، وإنما كان مناديا بالأخلاق السامية. نصر الضعيف على القوي، والفقير على الغني وحماية المعدمين وأشار إلى أن الغاية الأخيرة هي الحياة الخالدة. ووصل إلى أرقى مراتب الأخلاق عندما راح يبلغ ما أرسله إليه ربه: (سورة الليل من الآية 14 إلى الآية 21): وكان يدعو: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ".(سورة الأنعام الآيتان 162-163).
«شرف لي أن أتحدث عن الإسلام.. لا أبغي من ذلك جزاء ولا شكورا».. هكذا قالت لي الأستاذة الإيطالية الكبيرة ريتا دي ميليو، وهي تقدم لي كتابها «الإسلام.. ذلك المجهول في الغرب». كثيرون هم الكتاب والمؤلفون الأوروبيون الذين يتحدثون اليوم عن الإسلام، ولكن القليل منهم من يتحدث عن علم حقيقي، والكثير منهم هم من يجرون وراء الأفكار المسبقة السطحية، التي تدين الإسلام وتبحث في تاريخه وسلوك التابعين له عما يدينهم، ويصم الدين نفسه بأبشع التهم. من هذا القليل تبرز هذه المؤلفة الإيطالية التي عاشت وتجولت في مدن العالم الإسلامي، ولم تكتب عن الإسلام إلا بعد أن قرأته ودرسته وعاشته. مع كتابها «الإسلام.. ذلك المجهول في الغرب: الدين الإسلامي في ضوء القرآن والسنة»، الذي تجري ترجمته الآن إلى العربية، نقدم هذه القراءة السريعة لأهم محتوياته. الكتاب في مجمله جديد على الثقافة الأوروبية، فهو صادر من أوساطها ويتكلم بإحدى لغاتها، ورغم أنه بدا محايدا في عرض الإسلام كحضارة وثقافة، إلا أنه، ربما للمرة الأولى، يقدمه على أنه دين سماوي، يقف على قدم المساواة مع الأديان السماوية الأخرى، بعد أن كان ديدن الغرب ـ والمستشرقين على وجه خاص ـ اعتبار أن الإسلام في أفضل الظروف طائفة منشقة عن المسيحية وخارجة عليها. أما في هذا الكتاب فإن ريتا دي ميليو تعلن منذ بداية سطوره أنها سوف تكتب عن الدين الذي تحبه وتحترمه، وتعمل على تبليغ محتواه لمن لم يعرف، ليس لأنها تعمل في مجال الدعوة، بل لما ترى من تعرض الإسلام إلى ظلم كبير من جانب من لم يعرفه من الغرب، وقدم إليه بصورة مشوهة، أحيانا عمدا، وأحيانا عن جهل وضيق أفق. إننا بصدد كتاب يكتب عن محمد (صلى الله عليه وسلم) باعتباره نبي الله ورسوله، وعن الله الواحد الأحد في كل الأديان. وهي لا تنفي الاختلاف، ولكنها في نفس الوقت تعزز الاتفاق، وهو في رأيها اتفاق كبير وذو مغزى ولا يصح تجاهله. جاء الكتاب في فصول سريعة بدأت بعرض لحياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أبرزت فيها المؤلفة الخصال التي اشتهر بها قبل البعثة النبوية مثل الصدق والأمانة، كما عرضت لحال المجتمع العربي قبل نزول الإسلام، وكيف جاء هذا الدين لكي يصلح الكثير من الأمور التي كانت تضرب في أساس هذا المجتمع، وليحوله من مجتمع بدوي بدائي إلى واحد من أعظم الحضارات التي شهدها التاريخ. وربما كان أهم ما في هذا الجزء من عرض الحياة الأولى للرسول (صلى الله عليه وسلم) هو أنه ابتعد عن الطروحات التي سادت في كتب وأفكار عدد غير قليل من المستشرقين، بل ردت عليهم المؤلفة وأكدت أن محمدا هو نبي الله ورسوله وأن رسالته منزلة من السماء. ولمحت إلى أن أول من اعترف بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) كان مسيحيا، وهو ما استغله مفكرون آخرون ليقدحوا في النبوة ويشككوا فيها، عندما اعتبروا أن محمدا لم يكن إلا قسا متمردا وناقما. والمؤلفة تطرح أفكارها بقوة وترد عليها بقوة أيضا، من دون خوف أو تردد، بل لا تتردد في اتهام كتاب بني جلدتها بالغرور حينا وبالجهل دائما. وضعت ريتا دي ميليو مقدمة لكتابها تعبر فيها عما يجيش في وجدانها من حب وتأثر بالدين الإسلامي، إلى الحد الذي يجعلك تتصور أنها اعتنقت الإسلام بالفعل. في مقدمة الكتاب تشير الكاتبة إلى أن الإسلام لا يمكن أن يحيط به أي كتاب مهما تضخمت صفحاته، فهو يستحق الكثير من الكتب، لكي تلم بجوانبه المتعددة، وهو كالماسة لها ألف بريق، وليس من الإنصاف اختصاره في كتاب واحد. وفي هذا إشارة إلى القضايا الكثيرة التي يمكن الكلام فيها عن الإسلام والجوانب المتعددة له، وتبرير للقراءة الموجزة السريعة لهذا الدين، بهدف التعريف، أكثر من الدخول في مناقشات وجدل حول القضايا الخلافية. ورغم هذا، ورغم نص الكاتبة على أنها تأخذ بمنهج التبليغ الإسلامي، فقد تعرضت في فصول كتابها المختلفة إلى كثير من القضايا الخلافية، قالت فيها رأيها بصراحة وجرأة، خاصة قضية الجهاد، التي قدمت فيها تبريرات منطقية عقلانية للجهاد الإسلامي، بعيدا عن استغلال هذا الفرض الديني لأهداف سياسية وإرهابية. وفصلها في الجهاد، رغم أنه يتحدث عن الجهاد بوصفه «الحرب المقدسة»، وهو التعبير الذي لم يعرفه الإسلام، ولكنه منقول عن الغربيين في حروبهم الصليبية، ولكنها استخدمت المصطلح الغربي لكي تقرب إلى أذهان الغربيين هذا المفهوم، هذا الفصل عن الجهاد يعتبر من أجمل ما كتبه قلم غربي منصف ومحايد في هذه القضية. فهي ترى فيه فرضا على كل مسلم، ولكنها تقول إن الحرب في الإسلامية دفاعية، لأن القرآن ينهى صراحة عن الاعتداء على الغير، ويأمر المسلمين بالدفاع عن أنفسهم، وعن أموالهم، وبالتعاضد لنصر المستضعفين من المسلمين. تأخذ ريتا دي ميليو بالمنهج العزيز على الغرب، وهو النقدي التاريخي، الذي يحاول أن يتناول الأحداث في الجزيرة العربية، من خلال الترتيب الزمني لحدوثها، وتفسيرها ضمن السياق التاريخي لهذه العصور، من دون أن تعطي للبعد الغيبي ثقلا كبيرا في التفسير، ورغم هذا فهي تصل إلى نفس النتائج التي يمكن أن يصل إليها علماء الدين، اعتمادا على النصوص المقدسة وحدها، من دون تحليلها نقديا وضمن السياق الاجتماعي والإنساني والتاريخي لها. ولهذا فإنه ليس من المبالغة أن نعترف لها بفضل الاجتهاد في تفسير بعض أحداث التاريخ، التي تخص مسيرة الدين والحضارة الإسلاميين. هكذا تبدأ ريتا دي ميليو بعرض حياة العرب قبل الإسلام وترسم خريطة للمعتقدات الدينية، التي كانت سائدة في هذه المنطقة، والتي تجاورت فيها الوثنية إلى جانب عبادات غريبة للنباتات والأشجار والأشياء المختلفة، كما كان هناك انتشار محدود، وفي مواضع بعينها للمسيحية واليهودية، خاصة في اليمن وفي شمال الجزيرة العربية.
في شبه الجزيرة العربية، وبخلاف تقديس الأشجار والنباتات، كانت هناك عبادات للأحجار المقدسة، وهي أحجار متحركة أو متساقطة أو صخور بارزة أو معلقة، تحمل الملامح البشرية، ولم يكونوا يعبدونها لذاتها، وإنما باعتبارها حاملة للألوهية أو رمزا لها. فكانوا يقيمون إلى جوارها الاحتفالات الدينية التي تشتمل على القرابين وأعمال الحج والمهرجانات. أما البدو الرحل فكان لديهم على العكس محراب متنقل، يسمى القبة، وهو نوع من المراكب المقدسة، كانت ترافق القبائل في تنقلاتها السلمية أو الحربية.
تعرض المؤلفة مولد وحياة الرسول محمد بنفس الطريقة والمنهج التاريخي النقدي الذي يقبله الغرب، ولكنها تأخذ في الاعتبار في نفس الوقت أن المسلمين يعتبرون أن حياة محمد وأقواله وأفعاله جزءا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، التي تقوم على القرآن والسنة.
من يريد أن يشوه هذه الشخصية العظيمة فهو يضعه عادة في مقارنة بالمسيح. ولكن الشخصية الزاهدة للمسيح ليس لها أي علاقة بإنسانية محمد. فنبي الإسلام الذي كان يخوض الحروب، ويشن الغارات ويمارس القصاص، يجب النظر إليه داخل البيئة التي وجد فيها، والذي كانت طريقة حياته فيها هي القاعدة. فقد كان «رجلا مثل جميع الرجال»، رجلا مصطفى ولكنه في جميع الأحوال رجل، وقد أكد القرآن على هذا المفهوم مرتين. المرة الأولى في سورة الكهف الآية 110: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ». والمرة الثانية في سورة الإسراء الآية 93: «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً».
والفارق بينه وبين الآخرين من البشر هو أن الله اصطفاه وكلفه بتبليغ رسالته. وجعل منه خاتم الأنبياء! وهناك من لا يزال يرى في القرآن مجموعة من القواعد الدينية من أصول مسيحية ويهودية، تعلمها محمد من خلال اتصالاته مع شخصيات كبيرة تنتمي إلى هذين الدينين، قابلهم في مكة وفي المدينة. ومنها لفق محمد قرآنه. أي أن هؤلاء يرمون محمد بالانتحال. وفي هذا المجال فإنني أطرح الأسئلة التالية. لماذا كان عليه أن يخترع كذبة ضخمة مهولة مثل تلك؟ لجنون العظمة، حبا بالسلطة؟ في مكة، حيث لم يحقق الكثير من النجاح وواجه العديد من الآلام، لم يكن ليلتزم بهذا الصراع الذي كان يبدو بلا مخرج، إلا إذا مقتنعا بصحة رسالته. كيف استطاع أن يفحم بآيات القرآن اللاذعة الكاذبين والمنافقين إذا كان هو نفسه كاذبا؟ وإذا كان هو الذي ابتدع هذا الإسلام من بنات أفكاره فلماذا لم يجعله بسيطا سهلا مقبولا من غالبية قومه؟ هؤلاء القوم الذين كانوا مشركين وثنيين وأتى لهم بدين توحيدي؟ بالإضافة إلى الديانة التوحيدية لماذا فرض عليهم صيام رمضان وهو أمر شاق جدا في شبه الجزيرة العربية حارقة الحرارة؟ وكيف أمكن أن يصبح من أصدقائه أشخاص من نبلاء الروح ومن الموهوبين بالذكاء الراقي إذا لم يكونوا يعتبرونه من الصادقين؟ وكيف استطاع وهو الأمي أن ينتج عملا على قدر كبير من القيمة أدبيا ولغويا؟ كم من الأسئلة التي يمكن طرحها وكم من الإجابات! ولكن هذا العرض هو عرض إسلامي وليس دراسة نقدية. وبالنسبة للمسلمين فإن محمدا هو نبي شديد النقاء والصدق، رسول الله، قدوة للمؤمنين، وخاتم للنبيين. على اتهامه بالقسوة يمكن الرد ببساطة: لقد عاقب محمد بقسوة أفرادا ارتكبوا جرائم، أو أعداء عنيدين مثل القلائل (ستة) من القرشيين عند فتح مكة، واليهود الذين خانوه.. واستعمل كل الوسائل التي أتاحها له المجتمع آنذاك للدفاع عن جماعته ودعمها. حارب بإمكانيات متواضعة وبمعاونة قليلة حتى لا يسقط أمام الأعداء والمنافقين الذين كانوا يريدون له الخراب. ولكي يواجه احتياجات جماعته لجأ إلى شن الغارات، التي كانت تعتبر مشروعة في شبه الجزيرة العربية منذ أزمنة أبعد وليست قابلة للحكم عليها بمقاييس أفكارنا الغربية. والحروب التي قام بها، سواء دفاعية أو هجومية، كانت لنشر دعوته. ولكن هذا العمل الوحشي في حياة الإنسانية حاول هو أن يجعله أقل وحشية. فقد أمر جنوده: «لا تقتلوا شيخاً فانياً لا تقتلوا امرأة لا تقتلوا صغيراً رضيعاً لا تهدموا بناءً لا تحرقوا شجراً لا تقطعوا نخلاً وأحسنوا».
محمد، النبي والإنسان، بضعف أي كائن بشري، وبالقوة التي أمده بها الإيمان العميق برسالة الرسول الذي بعثه الله، كان بلا شك، وهو ما أؤكده وأشدد عليه لأنني مؤمنة به، من أعظم الشخصيات في التاريخ الإنساني. فهو لم يكن وحسب صاحب دعوة لديانة توحيدية، وإنما كان مناديا بالأخلاق السامية. نصر الضعيف على القوي، والفقير على الغني وحماية المعدمين وأشار إلى أن الغاية الأخيرة هي الحياة الخالدة. ووصل إلى أرقى مراتب الأخلاق عندما راح يبلغ ما أرسله إليه ربه: (سورة الليل من الآية 14 إلى الآية 21): وكان يدعو: "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ".(سورة الأنعام الآيتان 162-163).